فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 759

بأدنى سعي، ويثيب على الهمّ بها، والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها، ولا يضاعفها، ويبطلها بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفّرة، فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه تعالى، والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس.

الفرق الرابع: أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة، يحبها ويرضاها، فهو سبحانه يحبّ أن يطاع، ويحب أن ينعم ويحسن ويجود، وإن قدّر المعصية، وأراد المنع، فالطاعة أحبّ إليه، والبذل والعطاء آثر عنده، فكان إضافة نوعي الحسنة له، وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى، ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا الأدب، فأضافوا إليه النعم والخيرات، وأضافوا الشرور إلى محلها، كما قال إمام الحنفاء: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ (79) وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) [الشعراء] فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه، وقال الخضر: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها (79) [الكهف] ثم قال: وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما (82) [الكهف] .

وقال مؤمنو الجن: وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) [الجن] .

الفرق الخامس: أنّ الحسنة مضافة إليه، لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة فهو سبحانه إنما قدّرها وقضاها لحكمته، وهي، باعتبار تلك الحكمة، من إحسانه، فإن الرب سبحانه لا يفعل سوء قط، كما لا يوصف به، ولا يسمّى باسمه، بل فعله كله حسن وخير وحكمة، كما قال تعالى: بيده الخير. وقال أعرف الخلق به: والشرّ ليس إليك. فهو لا يخلق شرا محضا من كل وجه، بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة، وإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت