فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 759

فالجاهلون هنا الكفار الذين علموا أنه رسول اللّه، فهذا العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل، بل يثبت له العلم، وينافي عنه في موضع واحد، كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) [البقرة] فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة، ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار، وهذا نكتة المسألة وسرّ الجواب، فما دخل النار إلا عالم، ولا دخلها إلا جاهل، وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد، يوضّحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصدّ عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل، وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه، فلا يزال المقتضى يضعف، والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن، ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كلّ وجه، فلو علم إبليس أنّ تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ، وأنه يوجب له أعظم العقوبة، وتيقّن ذلك، لم يتركه، ولكن حال اللّه بينه وبين هذا العلم، ليقضى أمره، وينفذ قضاؤه وقدره، ولو ظنّ آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة، خرجا من الجنة، وجرى عليهما ما جرى، ما قرباها، ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم، وما يصيبهم يوم القيامة، وجزموا بذلك، لما عادوهم.

قال تعالى عن قوم فرعون: وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36) [القمر] وقال: وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54) [سبأ] وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) [التوبة] وقال:

وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ (14) [الحديد] وقال: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) [البقرة] وهو الشك، ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم، لما كانوا في الدرك الأسفل من النار، بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم، فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت