فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 759

جَمِيعًا (32) [المائدة] .

وقد ظنت طائفة أن قوله: من أجل ذلك، تعليل لقوله: فأصبح من النادمين، أي: من أجل قتله لأخيه، وهذا ليس بشي ء، لأنه يشوش صحة النظم، وتقلّ الفائدة بذكره، ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظم شأن القتل، حين جعل علة لهذه الكتابة، فتأمله.

فإن قلت: كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم، وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلّهم؟.

قلت: الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا وأسبابا لشرعه وأمره، فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري، وذلك أنّ القتل عنده لمّا كان من أعلى أنواع الظلم والفساد، فخّم أمره، وعظّم شأنه، وجعل إثمه أعظم من إثم غيره، ونزّل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها، ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبّه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه، فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار، وقاتل النفس الواحدة يصلاها، صح تشبيهه به، كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير، وإن اختلف مقدار الإثم، وكذلك من زنى مرة واحدة، وآخر زنا مرارا كثيرة، كلاهما آثم، وإن اختلف قدر الإثم، وهذا معنى قول مجاهد:

من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا.

وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه، وإن شئت قلت:

التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها، فإنه لا يختلف بقلة القتل وكثرته، كما لو شرب قطرة، فإن حدّه حد من شرب راوية، ومن زنى بامرأة واحدة، حده حدّ من زنى بألف، وهذا تأويل الحسن وابن زيد، قالا: يجب عليه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت