فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 759

قدم المكون، فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل التي فعل لأجلها، كقولكم في قدم الإرادة والتكوين سواء، وما لزمني لزمكم مثله، وجوابكم هو جوابي بعينه، ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف، فإن من قال من الفلاسفة: إن فعله قديم للمفعول المعني، يقول: إنّ الحكمة قديمة، ومن قال بحدوث أعيان الفعل ودوام نوعه، يقول ذلك في الحكمة سواء، ومن قال بحدوث نوع الفعل وقيامه بالرب، قال ذلك في الحكمة أيضا، كما يقوله كثير من النظار، فلا يمتنع على أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه.

الجواب الثالث: قولك: يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى، ممنوع، فإن هذا إنما يلزم أن لو قيل: كل حادث فلا بدّ له من علة، ونحن لا نقول هذا، بل نقول: يفعله لحكمة، ومعلوم أنّ المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له، والمراد المحبوب تارة يكون مرادا لنفسه، وتارة يكون مرادا لغيره، والمراد لغيره لا بدّ أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعا للتسلسل، وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب، فكذلك يخلق لحكمة، وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها.

الجواب الرابع: إن النفاة يقولون: كلّ مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض المخلوقات مرادا لغيره، وينتهي الأمر إلى مراد لنفسه، بل هذا أولى بالجواز من جعل كلّ مخلوق مرادا لنفسه، وكذلك فالأمر يكون مرادا لغيره حتى ينتهي إلى أمر مراد لنفسه.

الجواب الخامس: أن يقال: غاية ما ذكرتم أنه يستلزم التسلسل، ولكن أي نوعي التسلسل هو اللازم؟ التسلسل الممتنع أو الجائز، فإن عنيتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت