فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 759

الأول، منع اللزوم، وإن عنيتم الثاني مع انتفاء اللازم، فإن التسلسل في الآثار المستقبلة ممكن، بل واجب، وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس، والتسلسل في العلل والفاعلين محال، باتفاق العقلاء، بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله، وكذلك ما قبله إلى غير نهاية وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل، ولا يزال، فهذا غير ممتنع، إذا عرف هذا فالحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده، فإذا كان بعدها حكمة أخرى، فغاية ذلك أن يلزم حوادث لا نهاية لها، وهذا جائز بل واجب باتفاق المسلمين، ولم ينازع إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة.

فإن قيل: فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا.

قيل: بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائما، وهذا أمر معقول في الشاهد، فإن الواحد من الناس يفعل الشي ء لحكمة يحصل بها محبوبه، ثم يلزم من حصول محبوبه محبوب آخر يفعل لأجله، وهلمّ جرا، حتى لو تصوّر دوامه أبدا، لكانت هذه حاله وكماله، فلم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شي ء، وهذا هو الكمال الذي يريده، مع غناه التام الكامل عن كلّ ما سواه، وفقر ما سواه إليه من جميع الوجوه، وهل الكمال إلا ذلك؟ وفواته هو النقص، وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة والإحسان، فرحمته وإحسانه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا رحيما محسنا، وهو سبحانه إنما أمر العباد بما يحبه ويرضاه، وأراد لهم من إحسانه ورحمته ما يحبه ويرضاه، لكن فرق بين ما يريد هو سبحانه أن يخلقه ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها، فهذا يفعله سبحانه، ولا بد من وجوده، وبين ما يريد من العباد أن يفعلوه ويأمرهم بفعله، ويجب أن يقع منهم، ولا يشاء خلقه وتكوينه.

ففرق بين ما يريد خلقه، وما يأمر به، ولا يريد خلقه، فإن الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله، وما يريد من المأمور أن يفعله، فرق واضح،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت