فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 759

فإنهم لما طلبوا علة أفعاله، فأعجزهم العلم بها، افترقوا بعد ذلك، فطائفة ردّت الأمر إلى الطبيعة والأفلاك، التزمت مكابرة الحسّ والعقل، وقالوا: إنّ خلود أهل النار في النار أنفع لهم وأصلح من كونهم في الجنة، وإن إبقاء إبليس يغوي الخلق ويضلهم، أنفع لهم من إماتته، وإن إماتة الأنبياء أصلح للأمم من إبقائهم بينهم، وإن تعذيب الأطفال خير لهم من رحمتهم، إلى غير ذلك من المحالات التي قادهم إليها الخوض في تعليل أفعال من لا يسأل عما يفعل، فلذلك قلنا:

إن الصواب القول بعدم التعليل، وتخلصنا من الحبائل والأشراك التي وقعتم فيها.

قال أهل الحكمة: ليست هذه الأسئلة والاعتراضات التي قد جئتم بها، في حكمة أحكم الحاكمين، بأقوى من الأسئلة والاعتراضات التي قدح بها أهل الإلحاد في وجوده سبحانه، وقد أقاموا أربعين شبهة تنفي وجوده، وكذلك اعتراضات المكذبين لرسوله، وقد حكيتم أنتم عنهم ثمانين اعراضا، وكذلك الاعتراضات التي قدح بها المعطّلة، في إثبات صفات كماله، قد علمتم شأنها وكبرها، وكذلك الاعتراضات التي نفى بها الجهمية علوّه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلّمه بكتبه وتكليمه لعباده، وقد علمتم الاعتراضات التي اعترض بها أهل الفلسفة على كونه خالقا للعالم في ستة أيام، وعلى كونه يقيم الناس من قبورهم، ويبعثهم إلى دار السعادة أو الشقاء، ويبدل هذا العالم، ويأتي بغيره.

واعتراضات هؤلاء وأسئلتهم أضعاف اعتراضات نفاة الحكمة، وغايات أفعاله المقصودة، وكذلك اعتراضات نفاة القدر وأسئلتهم إلى غير ذلك.

وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حقّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت