فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 759

لما عرف قدره.

وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة.

ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به.

فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم السوابغ. يوضحه:

الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يحب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلّها عبودية الموالاة فيه، والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، والجهاد في سبيله، وبذل مهج النفوس في مرضاته، ومعارضة أعدائه، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به، ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محابّه على أتم الوجوه، وتقرب أولياءه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوّها وظهورها، ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود، فعلى أيّ شي ء كانت كلمته ودعوته تعلو؛ فإن العلو أمر لشي ء، يستلزم غالبا ما يعلى عليه، وعلو الشي ء على نفسه محال، والوقوف على الشي ء لا يحصل بدونه، يوضحه:

الوجه الثامن عشر: أنّ من عبوديته العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ واحتمال المكاره، ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلّقه وأسبابه، فلو لم تحصل عبودية العتق، فالرق من أثر الكفر، ولو لا الظلم والإساءة والعدوان، لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت