فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 759

وكظم الغيظ، ولو لا الفقر والحاجة، لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة، فلو سوّى بين خلقه جميعهم، لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحبّ شي ء إليه، ولأجلها خلق الجن والإنس، ولأجلها شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وخلق الدنيا والآخرة، وكما أن ذلك من صفات كماله، فلو لم يقدر الأسباب التي يحصل بها ذلك، لغاب هذا الكمال، وتعطّلت أحكام تلك الصفات كما مر، توضيحه:

الوجه التاسع عشر: أنه سبحانه يفرح بتوبة عبده، إذا تاب إليه، أعظم فرح يقدر، أو يخطر ببال، أو يدور في خلد، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه، وما يتوقف عليه الشي ء لا يوجد بدونه، فإنّ وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه، فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه، وقد نبّه أعلم الخلق باللّه على هذا المعنى بعينه، حيث يقول في الحديث الصحيح:

«لو لم تذنبوا، لذهب اللّه بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم» «1» .

فلو لم يقدّر الذنوب والمعاصي، فلمن يغفر، وعلى من يتوب، وعمن يعفو ويسقط حقه، ويظهر فضله وجوده وحلمه وكرمه، وهو واسع المغفرة، فكيف يعطل هذه الصفة، أم كيف يتحقق بدون ما يغفر، ومن يغفر له ومن يتوب وما يتاب عنه، فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده، لكفى به حكمة وغاية محمودة، فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال.

وكان بعض العباد يدعو في طوافه: اللهمّ اعصمني من المعاصي،

(1) سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت