فهرس الكتاب
ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما، وترك ما يهواه العبد ويحبه للّه، فإن لهذه العبودية شأنا ليس لغيرها.
ولو لا وجود الكفار، لما حصلت عبودية الجهاد، ولما نال أهله درجة الشهادة، ولما ظهر من يقدّم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده، ومن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه، فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم للّه أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها، لو لا وجود الكفار. وتلك العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته، ويستخرج منه حمده وشكره ومحبته والرضا عنه، يوضحه:
الوجه الحادي والعشرون: أنه قد استقرت حكمته سبحانه أنّ السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حفّ الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صفيّه آدم من الجنة، وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتمّ دخول، فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح، وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة، بعد مقاساة ما قبلها، وبين لذتهم لو خلقوا فيها، وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أنّ المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) [البقرة] .
وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب