فهرس الكتاب

الصفحة 551 من 759

يوضحه الوجه الثاني والعشرون: أنّ العقلاء قاطبة متفقون على استحسان إتعاب النفوس في تحصيل كمالاتها، من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة، وطلب محمدة من ينفعهم حمده، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك، كان أحسن حالا وأرفع قدرا، وكذلك يستحسنون إتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعز والشرف، ويذمون القاعد عن ذلك، وينسبونه إلى دناءة الهمة وخسّة النفس وضعة القدر.

دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

وهذا التعب والكدّ يستلزم آلاما، وحصول مكاره ومشاق، هي الطريق إلى تلك الكمالات، ولم يقدحوا بتحمل تلك في حكمة من يحملها، ولا يعدونه عائبا، بل هو العقل الوافر، ومن أمر غيره به، فهو حكيم في أمره، ومن نهاه عن ذلك، فهو سفيه عدوّ له، هذا في مصالح المعاش، فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة والنعيم المقيم، كيف لا يكون الآمر بالتعب القليل في الزمن اليسير الموصل إلى الخير الدائم حكيما رحيما محسنا ناصحا لمن يأمره وينهاه عن ضده، من الراحة واللذة التي تقطعه عن كماله ولذته ومسرته الدائمة، هذا إلى ما في أمره ونهيه من المصالح العاجلة التي بها سعادته وفلاحه وصلاحه، ونهيه عما فيه مضرته وعطبه وشقاوته.

فأوامر الرب تعالى رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء للقلوب وزينة للظاهر والباطن، وحياة للقلب والبدن، وكم في ضمنه من مسرّة وفرحة ولذة وبهجة ونعيم وقرة عين، فما يسمّيه هؤلاء تكاليف، إنما هو قرّة العيون وبهجة النفوس وحياة القلوب ونور العقول وتكميل للفطر، وإحسان تام إلى النوع الإنساني أعظم من إحسانه إليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس، فنعمته على عباده بإرسال الرّسل إليهم وإنزال كتبه عليهم وتعريفهم أمره ونهيه وما يحبه وما يبغضه أعظم النعم وأجلّها وأعلاها وأفضلها، بل لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت