فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 759

فتأمل كيف دلّ اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها، فيما اجتمعت فيه، وافتراقها فيما افترقت، على إله واحد ورب واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله، فالموجودات بأسرها كعسكر واحد، له ملك واحد وسلطان واحد، يحفظ بعضه ببعض، وينظم مصالح بعضه ببعض، ويسد خلل بعضه ببعض، فيمد هذا بهذا، ويقوى هذا بهذا، وينفض من هذا، فيزيده في الآخر. يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ويبيد هذا، فينشئ مكانه من جنسه ما يقوم مقامه، ويسد مسده، فيشهد حدوث الثاني. إن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره، وإنّ حكمته لم تتغير، وعلمه لم ينقص، وقدرته لم تضعف، وإنه لا يتغير بتغيير ما يغير منها، ولا يضمحل باضمحلاله، ولا يتلاشى بتلاشيه، بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم. هذا إلى ما في لوازم مكبرها، وانتظام بعضها ببعض، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حكم وأفعال أخرى وغايات أخر، حكمها حكم موادها وحواملها، كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها.

مثال ذلك: في أحدوثة واحدة: إنك ترى المعدة تشاق الغذاء، وتجتذبه إليها، فانظر لوازم ذلك قبل تناوله، ولوازمه بعد تناوله، وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا، فإذا جذبته إليها، أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ما فيها، فتنضجه الإنضاج الذي تعدّه، لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه به، وهي إذا أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه، فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به، فيدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه، على قدر حاجته، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به، ولكن قد قصده وأحكمه من هو بكل شي ء عليم، وعلى كل شي ء قدير، يدبره بحكمته ولطفه، وساقه في المجاري التي لا ينفذ فيها الإبر، لدقة مسالكها، حتى أوصله إلى المحتاج إليه الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت