فهرس الكتاب
ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق، لم يكن بدّ من بقاء كثير منه مبذولا في الوجود، مهملا، وهذا كضوء الشمس مثلا، فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به، وهي تشرق على مواضع، فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان، وكذلك المطر والنبات وسائر النعم، ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات، وعطاء الرب ونعمه أوسع من حوائج خلقه، فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة، ولا يقال: ما الحكمة في خلقها؟ فإن هذا سؤال جاهل ظالم، فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير، والمعمور بعضها، لا كلّها، والرب تعالى واسع الجود دائمه، فجوده وخيره عام دائم، فلا يكون إلا كذلك، فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته، ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار، فيعلم من استقراء العالم وأحواله انتهاؤه إلى عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد، أتقن نظامه أحسن الإتقان، وأوجده على أتم الوجود، وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها، ورابط بعضها ببعض، ومعين بعضها ببعض، وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض.
وهذا من أدل الدليل على أنه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد، دلّ على قدرته كثرة أفعاله وتنوعها، في الوقت الواحد، وتعاقبها على تتالي الآنات، وتعين تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها، ودل على علمه وحكمته كون كل شي ء كبير وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام الحكمي، ليس منها شي ء حتى مسام الشعر في الجلد ومراشح اللعاب في الفم ومجاري الشّعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا، ولا تنالها قدرتنا، وهذا فيما دق لصغره، وفيما جل لعظمه، كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض الجرز التي لا نبات بها فيمطرها عليها، فيخرج بها نباتا، ويحيي بها حيوانا، ويجعل فيها جزءين من الطعام والشراب والأقوات