فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 759

والأدوية، دع ما فوق ذلك من تسخير الشمس والقمر والنجوم واختلاف مطالعها ومغاربها، لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام التي بها مصالح من عليها، فإذا تأملت العالم، وجدته كالبيت المبني المعد، فيه جميع عباده، فالسماء سقفه، والأرض بساطه، والنجوم زينته، والشمس سراجه، ومصالح سكانه، والليل سكنهم، والنهار معاشهم، والمطر سقياهم، والنبات غذاؤهم ودواؤهم وفاكهتهم، والحيوان خدمهم، ومنه قوتهم ولباسهم، والجواهر كنوزهم وذخائرهم، كل شي ء منها لما يصلح له، فضروب النبات لجميع حاجاتهم، وصنوف الحيوانات معدة لجميع مصالحهم، وذلك أدلّ دليل على وحدانية خالقه وقدرته، فلم يكن لون السماء أزرق اتفاقا بل لحكمة باهرة، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر، حتى إنّ في وصف الأطباء لمن أصابه ما أضرّ ببصره، أو كلم بصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد، فجعل أحكم الحاكمين أديم السماء بهذا اللون، ليمسك الأبصار الراجعة، فلا ينكأ فيها، فهذا الذي أدركه الناس بعد الفكر والتجربة، قد وجد مفروغا منه في الخلقة، ولم يكن طلوع الشمس وغروبها، على هذا النظام، لغير علة ولا حكمة مطلوبة، فكم من حكمه ومصلحة في ذلك، من إقامة الليل والسكن فيه، والنهار والمعاش فيه، فلو جعل اللّه عليهم الليل سرمدا، لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم، والحكمة في طلوعها أظهر من أن تنكر، ولكن تأمل الحكمة في غروبها، إذ لو لا ذلك، لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا راحة، وكان الكد الدائم بتكافؤ أبدانهم، وتسرع فسادها، وكان ما على الأرض يحرق، بدوام شروق الشمس، من حيوان ونبات.

فصار النور والظّلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه، وكذلك الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها، لإقامة هذه الأزمنة الأربعة، وما في ذلك من الحكمة، فإن في الشتاء تغور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت