فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 759

تدور ذات الشمال، فللنملة في تلك الحال حركتان مختلفتان، إحداهما حركة بنفسها، تتوجه أمامها، والأخرى بغيرها، هي مقهورة عليها للرحى، تجذبها إلى خلفها، فلهذا النوع من النجوم حركتان مختلفتان على وزن وتقدير لا يعدوه، فزعم نفاة الحكمة أن ذلك أمر اتفاقي، لا لحكمة ولا لغرض مقصود.

فإن قلت: فما الغرض المقصود بذلك، وأي حكمة فيه؟

قيل: استدلّ بما عرفت من الحكمة على ما خفي عنك منها، ولا تجعل ما خفي عليك دليلا على بطلانها، مع أن من بعض الحكم في ذلك، أنها لو كانت كلها راتبة، لبطلت الدلالات التي تكون من تنقل المتنقل منها، ومسيرها في كل واحد من البروج، كما يستدل على أمور كثيرة وحوادث جمة، بتنقل الشمس والقمر والسيارات في منازلها، ولو كانت كلها منتقلة، لم يكن لمسيرها منازل تعرف، ولا رسم يقاس عليه، فإنه إنما يقاس مسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة، كما يقاس سير السائر على الأرض بالمنازل التي يقطعها.

وبالجملة: فلو كانت كلّها بحال واحدة، لبطل النظام الذي اقتضته الحكمة التي جعلها هكذا، فذلك تقدير العزيز العليم وصنع الرب الحكيم، وكيف يرتاب ذو بصيرة أن ذلك كله تقدير مقدّر حكيم، أتقن ما صنعه، وأحكم ما دبره، ويعرف بما فيه من الحكم والمصالح والمنافع إلى خلقه، فشدت العقول والفطر بأنه ذو الحكمة الباهرة والقدرة القاهرة والعلم التام المحيط، وأنه لم يخلق ذلك باطلا، ولا من الحكمة عاطلا.

وكذلك الحكمة في تعاقب الحر والبرد، على التدريج، على أبدان الحيوان والنبات، فإن قيامها وكمالها لمّا كان بذلك، اقتضت الحكمة الإلهية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت