فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 759

أن لا يدخل أحدهما على الآخر وهلة، فلا يتحمله، بل بالتدريج قليلا قليلا إلى أن ينتهي منتهاه، ويحصل المقصود به من غير ضرر يعم، وهذا كله بأسباب: هي منشأ الحكم والمصالح، فلا يبطل السبب بإثبات الحكمة، ولا الحكمة بالسبب، ولا السبب والحكمة بالمشيئة، فيكون من الذين يبخس حظهم من العقل والسمع.

وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب، لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بدّ من ظهورها في الأحايين، للحاجة إليها، فجعلت مخزونة في الأجسام، تورى عند الحاجة إليها، فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبو إذا استغني عنها، فجعلت على خلقة وتقدير وتدبير، حصل به الاستمتاع بها والانتفاع، مع السلامة من ضررها، ثم في النار خلّة أخرى، وهي أنها مما خصّ به الإنسان دون سائر الحيوان، فإنّ الحيوانات لا تستعمل النار، ولا تستمتع بها، ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك، اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها، فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها، وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز، ولما كانت الحاجة إليها شديدة، جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها، إذا شاء، ومن إبطالها، ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس، فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم، ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور، وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدف ء فلا يخفى، وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) [الواقعة] أي:

تذكر بنار الآخرة، فيحترز منها، ويستمتع بها المقوون، وهم النازلون بالفيفاء، وهي الأرض الخالية، وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم، حيث لا يجدون ما يشترونه، فيغنيهم عن ما يصنعونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت