فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 759

لكنها حياة لا تنفع، فإذا قدر دواء كريه صعب التناول، لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرير تناوله مرارا كثيرة العدد جدا، يزيل ذلك المرض العارض، فيظهر أثر الفطرة الأولى، فلا يحتاج بعده إلى الدواء، هذا سر المسألة.

ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني، فإنه يقول: العقل لا يدل على امتناع ذلك، إذ ليس فيه ما يحيله. ونقول: بل قد دلّ العقل والنقل والفطرة على أن الرب تعالى حكيم رحيم، والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب سرمدا أبد الآباد، بحيث يدوم عذابها بدوام اللّه، فهذا ليس من الحكمة والرحمة. قالوا:

وقد دلت الدلائل الكثيرة، من النصوص والاعتبار، على أنّ ما شرعه اللّه في هذه الدار، وقدّره من العذاب والعقوبات، فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها، ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ، وفطما للنفوس عن المعاودة، وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت، خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة، فيبطل، فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم، لا يعذب سدى، ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب، بل كلا الأمرين محال. وإذا لا يقع التعذيب إلا المصلحة المعذب أو مصلحة غيره، ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدا أبد الآباد، قالوا: فما دل عليه القرآن والسنة أنّ جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ (120) [التوبة] وقوله: وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) [آل عمران] .

فأخبر أنّ ألم القتل والجراح في سبيلة تمحيص، أي: تطهير وتصفية للمؤمنين، وبشّر الصابرين، على ألم الجوع والخوف والفقر وفقد الأحباب وغيرهم، بصلاته عليهم ورحمته وهدايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت