فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 759

احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: اللّه أعلم بما كانوا عاملين.

فبيّن الإمام أحمد وغيره أنه لا حجّة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون: إن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره، بل هو تهوّد وتنصّر باختياره، ولكن كان سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار، فلأن يضاف إلى اللّه الذي هو خالق كلّ شي ء بطريق الأولى، لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما، فقد قدّر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح: «إنّ الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا» «1» ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا. فقوله:

طبع يوم طبع، أي: قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر، لا أنّ كفره كان موجودا قبل أن يولد، ولا في حال ولادته، فإنه مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر. ومن ظنّ أنّ الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار، فهو غالط، فإن ذلك لا يقال فيه: طبع يوم طبع، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.

وقد ثبت في صحيح مسلم «2» عن عياض بن حمار، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما يروي عن ربه، تبارك وتعالى، أنه قال: «خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.

وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره، قال: بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم: «ما

(1) مر سابقا.

(2) مسلم (2865) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت