فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 759

مولود يولد على الفطرة»، فقال: على الشقاوة والسعادة، ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله، فقال: هي التي فطر الناس عليها، شقي أو سعيد. وكذلك نقل جبيل عنه، قال: الفطرة التي فطر اللّه عليها العباد من الشقاوة والسعادة. قال: وهذا كله يدل من كلامه على أنّ المراد بالفطرة هاهنا ابتداء خلقه في بطن أمه.

قال شيخنا ابو العباس ابن تيمية: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال للفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وهي الدين. وقال في غير موضع: إنّ الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما، حكم بإسلامه، واستدل بهذا الحديث، فدل على أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث، ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام، لما صح استدلاله بالحديث.

وقوله في موضع آخر: يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة، لا ينافي ذلك، فإن اللّه سبحانه قدّر السعادة والشقاوة، وكتبهما، وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها، كفعل الأبوين، فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما، هو مما قدّره اللّه أنه يفعل بالمولود. والمولود ولد على الفطرة سليما، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه، كما مثّل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذلك بقوله: كما ينتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء اللّه وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما، ثم يفسده أبواه. وذلك أيضا بقضاء اللّه وقدره، وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة: على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادة، لأنّ القدرية يحتجون بهذا الحديث على أنّ الكفر والمعاصي ليس بقضاء اللّه وقدره، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، ولهذا قالوا لمالك بن أنس: إنّ القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت