فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 759

فصل

وما ينبغي أن يعلم أنه إذا قيل: إنه ولد على الفطرة، أو على الإسلام، أو على هذه الملة، أو خلق حنيفا، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن اللّه يقول: وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا (78) [النحل] ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقروبه «1» ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته، وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئا بعد شي ء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت من المعارض، وليس المراد أيضا مجرد قبول الفطرة لذلك، فإن هذا القبول تغير بتهويد الأبوين وتنصيرهما، بحيث يخرجان الفطرة عن قبولها، وإن سعيا بين بنيهما ودعائهما في امتناع حصول المقبول. وأيضا فإنّ هذا القبول ليس هو الإسلام، وليس هو هذه الملة، وليس هو الحنيفية، وأيضا فإنه شبّه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء، ومعلوم أنهم لم يغيروا قبوله، ولو تغير القبول وزال، لم تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره، وإقراره له بربوبيته، وادعائه له بالعبودية، فلو خلّي، وعدم المعارض، لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه، وهذا من قوله تعالى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) [طه] وقوله الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) [الأعلى] فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديا إلى

(1) هكذا وردت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت