فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 759

كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الخلقة والجبلة، ظنّ الظانّ أن هذا مراد الحديث، وهذا الغلام الذي قتله الخضر ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير بالغ ولا مكلف، بل قراءة ابن عباس تدل على أنه كان كافرا في الحال، وتسميته غلاما لا يمنع أن يكون مكلّفا قريب العهد بالصغر، ويدل عليه أن موسى لم ينكر قتله لصغره، بل لكونه زاكيا ولم يقتل نفسا، لكن يقال: في الحديث الصحيح ما يدلّ على أنه كان غير بالغ، من وجهين: أحدهما أنه قال: فمر بصبي يلعب مع الصبيان. الثاني: أنه قال: ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد، فيقال: الكلام على الآية على التقديرين، فإن كان بالغا، وقد كفر، فقد قتل على كفره الواقع بعد البلوغ، ولا إشكال، وإن كان غير بالغ، فلعل تلك الشريعة كان فيها التكليف قبل الاحتلام، عند قوة عقل الصبيّ وكمال تمييزه، وإن لم يكن التكليف قبل البلوغ بالشرائع واقعا، فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة اللّه، كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه، من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وعلى هذا فيمكن أن يكون مكلفا بالإيمان قبل البلوغ، وإن لم يكن مكلفا بشرائعه.

وكفر الصبي المميز عند أكثر العلماء مؤاخذ به، فإذا ارتدّ صار مرتدا، لكن لا يقتل حتى يبلغ، فالغلام الذي قتله الخضر، إما أن يكون كافرا بعد البلوغ، فلا إشكال، وإما أن يكون غير بالغ، وهو مكلف في تلك الشريعة، فلا إشكال أيضا، وإما أن يكون مكلفا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع، فيجوز قتله في تلك الشريعة، وإما أن لا يكون مكلفا، فقتل لئلا يفتن «1» أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبي الكافر في ديننا، إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل. وأما قتل صبيّ لم يكفر بعد، بين أبوين

(1) في المطبوع: «يفتتن» وهما بمعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت