فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 759

وقصدا، أو الإشراك به أكمل، والثاني معلوم الفساد بالضرورة، فتعين الأول، وهو أن يكون في الفطرة مقتضى يقتضي توحيده وتألهه وتعظيمه.

الوجه الثالث: أن الحنيفية التي هي دين اللّه، ولا دين له غيرها، إما أن تكون مع غيرها من الأديان متماثلين، أو الحنيفية أرجح، أو تكون مرجوحة، والأول والثالث باطلان قطعا، فوجب أن يكون في الفطرة مرجّح يرجح الحنيفية، وامتنع أن يكون نسبتها ونسبة غيرها من الأديان إلى الفطرة سواء.

الوجه الرابع: أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه، وأن ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعليم الأبوين ولا غيرهما، بل لو فرض أن الإنسان تربّى وحده، ثم عقل وميز، لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ضده، كما يجد الصبي عند أول تمييزه، يعلم أن الحادث لا بدّ له من محدث، فهو يلتفت إذا ضرب من خلفه، لعلمه أن تلك الضربة لا بدّ لها من ضارب، فإذا شعر به، بكى حتى يقتص له منه، فيسكن، فقد ركز في فطرته الإقرار بالصانع، وهو التوحيد، ومحبة القصاص، وهو العدل، وإذا ثبت ذلك، ثبت أنّ نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم يكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقوّ لها، وقد بيّنّا أن هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعينها ويذكّرها ويقوّيها، فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين، يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها، استجابت لدعوة الرسل، ولا بد بما فيها من المقتضي لذلك، كمن دعا جائعا أو ظمآن إلى شراب وطعام لذيذ نافع، لا تبعة فيه عليه، ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع، فإنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت