فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 876

ننكره وإن عنيتم به أن مجرد قول المخبر لا يفيد العلم ما لم ينتظم في النفس مقدمتان إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم ومع كثرتهم على حال لا يجمعهم على الكذب جامع ولا يتفقون إلا على الصدق والثانية أنهم قد اتفقوا على الأخبار عن الواقعة فيبتني العلم بالصدق على مجموع المقدمتين فهذا مسلم ولا بد وأن تشعر النفس بهاتين المقدمتين حتى يحصل له العلم والتصديق وإن لم تتشكل في النفس هذه المقدمات بلفظ منظوم فقد شعرت به حتى حصل التصديق وإن لم يشعر بشعورها

وتحقيق القول فيه أن الضروري إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فهذا ليس بضروري فإنه حصل بواسطة المقدمتين المذكورتين وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بوجه توسطها وحصول العلم بواسطتها فيسمى أوليا وليس بأولي كقولنا الإثنان نصف الأربعة فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة وهو أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر والإثنان أحد الجزأين المساوي للثاني من جملة الأربعة فهو إذا نصف فقد حصل هذا العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن حاضرة ولهذا لو قيل ستة وثلاثون هل هو نصف اثنين وسبعين؟ يفتقر فيه إلى تأمل ونظر حتى يعلم أن هذه الجملة تنقسم بجزأين متساويين أحدهما ستة وثلاثون

فإذا العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فهو ليس بأولي وهل يسمى ضروريا هذا ربما يختلف في الاصطلاح والضروري عند الأكثرين عبارة عن الأولي لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية وهي نظرية ومعنى كونها نظرية أنها ليست بأولية وكذلك العلم بصدق خبر التواتر ويقرب منه العلم المستفاد من التجربة التي يعبر عنها باطراد العادات كقولنا الماء مرو والخمر مسكر كما نبهنا عليه في مقدمة الكتاب

فإن قيل: لو استدل مستدل على كونه غير ضروري بأنه لو كان ضروريا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت