الخف عليه، ثم انصرف. وقد كانوا تحدثوا أن يخلعوا عليه سوادًا.
فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سلمت من هؤلاء ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم.
ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علي نصحه من وقت تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟! ثم قال: يا صالح، وجه بهذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا.
قال أبو الفضل: فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان فباعها وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة.
ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها كانت لإيتاخ، فقال: اكتب رقعة إلى محمد بن الجراح استعف لي من هذه الدار، فكتبنا رقعة، فأمر المتوكل أن يعفى منها، ووجه إلى قوم ليخرجوا عن منازلهم، فسأله أن يعفى من ذلك، فاكتريت له دارًا بمائتي درهم، فصار إليها. وأجري لنا مائدة وثلج، وضرب الخيش وفرش الطبري، فلما رأى الخيش والطبري نحى نفسه عن ذلك الموضع، وألقى نفسه على مضربة له. واشتكت عينه ثم برئت، فقال لي: لا تعجب، كانت عيني تشتكي تمكث حينًا حتى تبرأ، ثم برئت في سرعة.
وجعل يواصل، يفطر في كل ثلاث على سويق، فمكث خمس عشرة يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة، لا يفطر إلا على رغيف. وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز، لكيلا يراها، فيأكل من حضر. وكان إذا أجهده الحر تبل له خرقة فيضعها على صدره. وفي كل يوم يوجه إليه بابن ماسويه، فينظر إليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميل إليك وإلى أصحابك، وما بك علة إلا الضعف وقلة الرز. فقال له ابن ماسويه: إنا ربما