الصفحة 1924 من 15232

وليس كل مسلم مؤمنًا أن الانقياد والاستسلام قد يحصل بدون تصديق فلا يعتد به، أما التصديق إذا حصل فلابد وأن ينتج الانقياد والاستسلام الذي هو معنى الإسلام فيكون بذلك مؤمنًا مسلمًا وإلا فهو يقول - كغيره من أصحاب هذا الرأي - بالتلازم بين الإيمان والإسلام في الوجود. وقد قال بهذا القول وأيده بشدة تاج الدين السبكي في"طبقات الشافعية".

2 -أن الإيمان والإسلام متحدان، بمعنى أنهما مترادفان مفهومًا ومرادًا، ومتساويان في الوجود، فكل متصف بأحدهما، فهو متصف بالآخر من الناحية الشرعية. وهذا يشبه ما تقدم في الرأي الأول من القول بالتلازم في الوجود، مما حدا بشارح"جوهرة التوحيد"إلى اعتبار الخلاف بين الرأيين لفظي باعتبار النتيجة والمآل، وهو في الحقيقة كذلك.

فعند هؤلاء لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهو مرادهم من الترادف. وهذا الرأي - كما تقدم - اختيار الشيخ التفتازاني وعزاه إلى الجمهور، ورواه عن أبي المعين النسفي من كتابه (تبصرة الأدلة) وضمنه بعض الأدلة على إثباته وترجيحه.

فمن أدلته: الإجماع على أنه لا يمكن أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإيمان ولا يكون مسلمًا، أو بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمنًا، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم خاص به ولا يكون للمسلم وبالعكس إلى آخر ما ذكر من المسائل. وقد ساق بعد ذلك أدلتهم السمعية بقوله:

"والمشهور من استدلال القوم وجهان:"

أحدهما: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85] .وثانيهما: أنه لو كان غيره لم يصح استثناء أحدهما من الآخر ... لقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 35 - 36] ، أي فلم نجد ممن كان فيها من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين"."

وبعد أن ذكر التفتازاني هذا الرأي، واستدل له، التفت إلى الرأي الآخر وعزاه إلى الحشوية - على حد تعبيره - وبعض المعتزلة، وهو رأي في نظره باطل.

وأنا أقول: إن هذا الرأي الذي أبطله، وأنكر أن يكون قد تبناه جماعة من الأشاعرة، يعتد بقولهم، أقول: إن هذا الرأي هو الذي يتناسب مع ما سبق تقريره من أن الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق فقط، واعتبار الأعمال التي تمثل الإسلام من لوازم ذلك التصديق. وأصحاب القول بالترادف من الأشاعرة قد شعروا بوجود تناقض بين مذهبهم في حقيقة الإيمان، ومذهبهم في القول بالترادف بين الإيمان والإسلام، لذلك حاولوا تفسير وجهة نظرهم بأن المراد بالترادف، الترادف في المراد، بمعنى أن المراد من الإيمان الإذعان بالقلب، والإسلام الإذعان بالجوارح. والمعنيان واحد وكلاهما مراد، فهما مترادفان من هذا الوجه ومترادفان أيضًا من حيث أن كلاهما مطلوب شرعًا، والمراد منهما واحد وهو الإذعان كما يتضح ذلك من كلام التفتازاني السابق. وقد سبق أن ذكرت عند بيان رأي السلف في هذه المسألة، أن الخلاف بينهم تم على رأيين أيضًا، هما القول بالترادف، والافتراق، وذكرت أن الرأي الصائب هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بالافتراق مع التلازم الشديد بينهما إلى درجة أنه لا يمكن أن يتصور وجود أحدهما بدون الآخر، وأن هذا الرأي هو الذي تجتمع عليه الأدلة، حيث لا يخفى ما بينهما من بعد لا يمكن أن تجتمع معه إلا على مثل هذا الرأي، القائل بالتلازم، بحيث أن الإيمان إذا ذكر منفردًا كما في حديث وفد عبد القيس دخل فيه الإسلام لا محالة؛ وإذا ذكر الإسلام منفردًا دخل الإيمان فيه أيضًا.

وإذا ذكرا مجتمعين - كما في حديث جبريل - افترقا فيراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر من حيث المعنى.

والرأي القائل بالترادف عند السلف، له وجهة لا تتعارض مع رأيهم في حقيقة الإيمان، لإطلاقهم الإيمان على الأعمال، وجعلها جزءًا منه بدلالة النصوص، بخلاف رأي الأشاعرة القائل بالترادف، فإنه يتعارض مع مذهبهم القائل بأن الإيمان تصديق قلبي فحسب، والأعمال لوازم للإيمان، فهي غيره، هذا ما يقتضيه مذهبهم.

بقي أن أذكر أدلة القائلين بالتغاير، فمن أدلتهم قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت