الصفحة 3 من 14

الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها"- وفقا لما أدركه الإمام الشاطبي -"

إن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله، لقوله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} .

إن المقاصد التحسينية والحاجية ليست مقصودة لذاتها أو مخترعة بحالها في الشريعة الإسلامية، وإنما هي معتبرة من حيث تعد مكملة للضروريات، فلا عبرة لمقصود تحسيني يعارض مقصودا حاجيا، ولا لمقصود حاجي يعارض مقصودا ضروريا، فالعبرة في النهاية بقيام المقاصد الضرورية على الوجه الأكمل [انظر الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: ج2/ص18، ط تونس، وج2/ص25، طبعة المنار، والاعتصام: ج2/ص295، 303، 307، 313] .

وبذلك تلغى كل المقاصد التحسينية أو الحاجية غير المعتبرة، أي التي تؤدي إلى فساد المقاصد الضرورية، وفي أعلاها مقاصد الآخرة، فهي أصل لكل المقاصد الأخرى، إذ أن أي تكملة تؤدي إلى فساد أصلها؛ فإنها لا تصح كما يقول الفقهاء، والعقلاء أيضا.

إن المقاصد قد يختلط فيها النافع والضار، وحينئذ يقدم الأكثر نفعا، فإذا تعارضت بعض المصالح التحسينية أو الحاجية أو الضرورية؛ قدمت مصلحة حفظ الدين باعتبارها الأصل لكل المقاصد، وإذا تعارضت مصالح الدنيا مع مصالح الآخرة؛ قدمت مصلحة الآخرة لأنها ألزم المقاصد وأعلاها، ذلك أن الحياة الدنيا - وفقا للعقيدة الإسلامية - ليست شيئا غير الطريق إلى الحياة الآخرة وهي هي الحياة، وهي هي البقاء بحكم قوله تعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} .

وعلى هذا الأساس؛ يجب التمسك بالمقاصد الضرورية، ولو أدت إلى إلغاء المقاصد الحاجية أو التحسينية أو المقاصد الضرورية الأقل أهمية من مقصد حفظ الدين والحياة الأخرى.

وكيف لمقصود تحسيني في تجميل طريق أن يقدم على مقصود حاجي في رفع المشقة عن السير فيه؟! وكيف لمقصد حاجي في رفع المشقة عن السير فيه أن يقدم على المقصد الضروري في قطع بعض مراحله؟! وكيف لمقصد ضروري في قطع بعض مراحله أن يقدم على المقصد الضروري الأصلي في الوصول إلى الهدف منه وفقا للهدف الأصلي من بنائه طبقا لإرادة مالكه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت