فهرس الكتاب
حمزة بن عبد المطلب - رضي اللّه عنه - فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه (أي أطارها) بنصف ساقه. وهو دون الحوض. فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد - زعم - أن يبر يمينه ، واتبعه حمزة ، فضربه حتى قتله في الحوض! ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة ، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة ، وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ، ورجل آخر يقال: هو عبد اللّه بن رواحة. فقالوا من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار ، قالوا: ما لنا بكم من حاجة (و قال ابن إسحاق: إن عتبة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا إليه: أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا) ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - . «قم يا عبيدة ابن الحارث ، قم يا حمزة ، قم يا علي» . فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة؟
وقال حمزة: حمزة! وقال علي: علي! قالوا. نعم أكفاء كرام! فبارز عبيدة ، وكان أسن القوم ، عتبة ابن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله. واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه (أي جرحه جرحا لا يملك معه الحركة) وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه (أي أجهزا عليه) واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض. وقد أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم. قال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» .. ثم عدل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الصفوف ورجع إلى العريش ، فدخله ومعه فيه أبوبكر ليس معه فيه غيره. ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول: «اللهم إن نهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» وأبوبكر يقول: يا نبي اللّه بعض مناشدتك ربك ، فإن اللّه منجز لك ما وعدك.
وفي إمتاع الأسماع للمقريزي: أن عبد اللّه بن رواحة قال لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يا رسول اللّه إني أشير عليك - ورسول اللّه أعظم وأعلم من أن يشار عليه - إن اللّه أجل وأعظم من أن ينشد وعده! فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يا ابن رواحة ، ألا أنشد اللّه وعده؟ إن اللّه لا يخلف الميعاد».
قال ابن إسحاق: وقد خفق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه ، فقال: «أبشر يا أبابكر ، أتاك نصر اللّه. هذا جبريل آخذا بعنان فرس يقوده ، على ثناياه النقع» (يعني الغبار) .
وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل من المسلمين رحمة اللّه. ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار - وهو يشرب من الحوض - بسهم ، فأصاب نحره ، فقتل رحمة اللّه.