فهرس الكتاب
ثم خرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس فحرضهم وقال: «والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل ، فيقتل ، صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله اللّه الجنة» . فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة ، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ (كلمة تقال للإعجاب) أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه ، فقاتل القوم حتى قتل رحمه اللّه تعالى.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال: يا رسول اللّه ، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: «غمسه يده في العدو حاسرا» فنزع درعا كانت عليه ، فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه اللّه.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير العذري ، حليف بني زهرة ، أنه حدثه ، أنه لما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قال أبو جهل بن هشام: اللهم ، أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة! فكان هو المستفتح.
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ، ثم قال: «شاهت الوجوه!» ثم نفحهم بها. وأمر أصحابه فقال: «شدوا» فكانت الهزيمة. فقتل اللّه تعالى من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم ..
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ، ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - متوشحا السيف ، في نفر من الأنصار يحرسون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يخافون عليه كرّة العدو ورأى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «واللّه لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم!» قال: أجل واللّه يا رسول اللّه كانت أول وقعة أوقعها اللّه بأهل الشرك.
فكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال! قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد اللّه بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي اللّه عنهما. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه يومئذ: «إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فلا يقتله ، فإنه إنما أخرج مستكرها» قال: فقال أبو حذيفة (ابن عتبة بن ربيعة) : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس؟! واللّه لئن لقيته لألحمنه السيف! قال: فبلغت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص» قال عمر: واللّه إنه لأول يوم كناني فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بأبي حفص - «أيضرب وجه عم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالسيف؟» فقال عمر: يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه بالسيف! فو اللّه لقد نافق! فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن