فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 1681

وسبب ضعفه أنه في الاسم اللّه من البسملة ما يطلبه والبراءة إنما هي من الشريك لا من المشرك فإن الخالق كيف يتبرأ من المخلوق ولو تبرأ منه من كان يحفظ وجوده عليه والشريك معدوم فتصح البراءة منه في صفة تنزيه ، وتنزيه اللّه تعالى من الشريك والرسول - صلى الله عليه وسلم - من اعتقاد الجهل ، ووجه آخر من ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في أول سورة وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: 1] ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: 1] وأين الرحمة من الويل انتهى ، وقد يقال: كون البراءة من الشريك غير ظاهر من آيتها أصلا وستعلم إن شاء اللّه تعالى المراد منها ، وما ذكره قدس سره في الوجه الآخر من الضعف قد يجاب عنه بأن هذه السورة لا تشبهها سورة فإنها ما تركت أحدا كما قال حذيفة إلا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه ، أما المنافقون والكافرون فظاهر ، وأما المؤمنون ففي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ إلى الْفاسِقِينَ [التوبة: 23 - 24] وهو من أشد ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق ، وليس في سورة - ويل - ولا في تبت - ولا ولا ، ولو سلّم اشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه لكن الامتياز بالكمية والكيفية مما لا سبيل لإنكاره ولذلك تركت فيها البسملة على ما أقول ، والاسم الجليل وإن تضمن القهر الذي يناسب ما تضمنته السورة لكنه متضمن غير ذلك أيضا مع اقترانه صريحا بما لم يتضمنا سوى الرحمة ، وليس المقصود إلا إظهار صفة القهر ولا يتأتى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ، ولو سلّم خلوص الاسم الجليل له. نعم إنه سبحانه لم يترك عادته في افتتاح السور هنا بالكلية حيث افتتح هذه السورة بالباء كما ، افتتح غيرها بها في ضمن البسملة وإن كانت باء البسملة كلمة وباء هذه السورة جزء كلمة وذلك لسر دقيق يعرفه أهله ، هذا ونقل عن السخاوي أنه قال في جمال القراء: اشتهر ترك التسمية في أول براءة ، وروي عن عاصم التسمية أولها وهو القياس لأن إسقاطها إما لأنها نزلت بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة بل من الأنفال ، ولا يتم الأول لأنه مخصوص بمن نزلت فيه ونحن إنما نسمي للتبرك ، ألا ترى أنه يجوز بالاتفاق بسم اللّه الرحمن الرحيم وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 36] الآية ونحوها ، وإن كان الترك لأنها ليست مستقلة فالتسمية في أول الأجزاء جائزة ، وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه.

وذهب ابن مناذر إلى قراءتها ، وفي الاقناع جوازها ، والحق استحباب تركها حيث إنها لم تكتب في الامام ولا يقتدى بغيره. وأما القول بحرمتها ووجوب تركها كما قاله بعض المشايخ الشافعية فالظاهر خلافه ، ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة من أثناء السورة واللّه تعالى أعلم. [1]

(1) - روح المعانى ـ نسخة محققة - (5 / 236)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت