اللَّهِ ، وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ؟ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا: يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ! وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ، وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ. وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ. قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ! وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ. كَظِيمٌ. قالُوا: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ! قالَ: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ، وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» ..
وفي آخر مواقف المحنة الطويلة للشيخ المبتلى نجد ذات الملامح وذات الواقعية. وهو يشم ريح يوسف في قميصه ، ويواجه غيظ بنيه وتبكيتهم فلا يشك في صدق ظنه بربه:
«وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ، لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قالُوا: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ. فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا. قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟ قالُوا: يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ. قالَ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» إنها الشخصية الموحدة الخصائص والملامح ، الواقعية المشاعر والتصرفات ، الممثلة لكل واقعية ذاتها وظروفها وبيئتها بلا تزوير ولا نقص ولا تحريف! والواقعية الصادقة الأمينة النظيفة السليمة في الوقت نفسه ، لا تقف عند واقعية الشخصيات الإنسانية التي تحفل بها القصة في هذا المجال الواسع ، على هذا المستوي الرائع. ولكنها تتجلى كذلك في واقعية الأحداث والسرد والعرض وصدقها وطبيعيتها في مكانها وزمانها ، وفي بيئتها وملابساتها .. فكل حركة وكل خالجة وكل كلمة تجيء في أوانها وتجيء في الصورة المتوقعة لها وتجيء في مكانها من مسرح العرض متراوحة بين منطقة الظل ومنطقة الضوء بحسب أهميتها ودورها وطبيعة جريان الحياة بها .. الأمر الملحوظ في الشخصيات أيضا كما قررنا من قبل هذا ..
حتى لحظات الجنس في القصة ومواقفه أخذت مساحتها كاملة - في حدود المنهج النظيف اللائق «بالإنسان» في غير تزوير ولا نقص ولا تحريف للواقعية البشرية في شمولها وصدقها وتكاملها - ولكن استيفاء تلك اللحظات لمساحتها المتناسقة مع بقية الأحداث والمواقف لم يكن معناه الوقوف أمامها كما لو كانت هي كل واقعية الكائن البشري وكما لو كانت هي محور حياته كلها ، وهي كل أهداف حياته التي تستغرقها! كما تحاول الجاهلية أن تفهمنا أن هذا وحده هو الفن الصادق! إن الجاهلية إنما تمسخ الكائن البشري باسم الصدق الفني! وهي تقف أمام لحظة الجنس كما لو كانت هي كل وجهة الحياة البشرية بجملتها فتنشىء منها مستنقعا واسعا عميقا ، مزينا في الوقت ذاته بالأزهار الشيطانية! وهي لا