فهرس الكتاب
دينها وعن قرآنها فإنما هو من عملاء اليهود ، سواء عرف أم لم يعرف أراد أم لم يرد ، فسيظل اليهود في مأمن من هذه الأمة ما دامت مصروفة عن الحقيقة الواحدة المفردة التي تستمد منها وجودها وقوتها وغلبتها - حقيقة العقيدة الإيمانية والمنهج الإيماني والشريعة الإيمانية ، فهذا هو الطرق . وهذه هي معالم الطريق . كان لليهود في المدينة مكانتهم وارتباطاتهم الاقتصادية والتعهدية مع أهلها ، ولم يتبين عداؤهم سافرا . ولم ينضج في نفوس المسلمين كذلك الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي العهد وهي الوطن وهي أصل التعامل والتعاقد ، وأنه لا بقاء لصلة ولا وشيجة إذا هي تعارضت مع هذه العقيدة !! ومن ثم كانت لليهود فرصة للتوجيه والتشكيك والبلبلة ، وكان هناك من يسمع لقولهم في الجماعة المسلمة ويتأثر به ، وكان هناك من يدافع عنهم ما يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم من إجراءات لدفع كيدهم عن الصف المسلم (( كما حدث في شفاعة عبد الله بن أبي من بني قينقاع ، وإغلاظه في هذا للرسول صلى الله عليه وسلم ) ) [1] . إن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربونها بالسيف والرمح فحسب ، إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها !! كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك ، ونثر الشبهات وتدبير المناورات !
(1) - ففي دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ (1039 ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، أَنَّ بَنِيَ قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَارَبُوا مِنْهَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ . فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ - وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ - فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَرْسِلْنِي"، وَغَضِبَ حَتَّى رُئِيَ لِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظِلَالٌ ، فَقَالَ لَهُ:"وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي". فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالِيَّ أَرْبَعُمِائَةِ حَاسِرٍ ، وَثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ ، مَنْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ ، إِي وَاللَّهِ إِنِّي لَامْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هُمْ لَكَ"وهو صحيح مرسل وانظر تاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (2 / 148)