والمهم أن نعلم أن حركة ترجمة القرآن الكريم من قبل المستشرقين عرفت مدارس متخصصة عنيت بالموضوع أشهرها وأهمها: المدرسة الإسبانية والمدرسة الألمانية والمدرسة الإنجليزية.
المطلب الأول: عناية المدرسة الاستشراقية الإسبانية بترجمة القرآن الكريم:
لم يحظ الاستشراق الإسباني بدراسة كافية بالرغم من أهميته البالغة ؛ إذ هو الأصل والأساس لجميع المدارس الاستشراقية الأوربية الأخرى (1) ، بل
يعد الاستشراق الترجمي في أوروبا عامة عالة على المدرسة الإسبانية.
لقد أدى استيلاء ألفونسو السادس على طليطلة سنة: 1085ه إلى أن يسعى النصارى إلى تحقيق هدفين متكاملين (2) :
أولهما - تصحيح نصرانية المستعربين بالأندلس وتهذيبها من الفساد الذي اكتسبته من جراء التقائها بالإسلام - حسب زعمهم -.
وثانيهما - معرفة هذا الدين لتيسير إمكان مواجهته ونفيه، وإقامة سد منيع بينه وبين إفساد النصرانية من جديد.
انطلقت هذه العملية من دير كلوني بوصفها توبة وتكفيرًا حربيًا عن الغضب الإلهي الذي تمثل في انتشار الإسلام وتوسعه. اقتضت إدارة هذه الحرب وضمان استمرارها، أن انتقل النصارى من تعرف الإسلام إلى تنظيم معرفته وتعميقها عبر ترجمة معانيه مصدرها القرآن الكريم.
(1) ولهذا فإن كثيرًا من النقائص والعيوب الموجودة في الدراسات التي اهتمت بالموضوع مردها إلى عدم اطلاع أولئك الباحثين على الاستشراق الإسباني.
(2) انظر ذلك في:"الإسلام في أبحاث الاستشراق الإسباني من ريموندس لولوس إلى أسين بلاثينوس"أطروحة الدكتوراه للأستاذ محمد عبد الواحد العسري (1/123-124) .