نقول: إنها من فروض الكفاية التي يجب على الأمة القيام بها، فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد أثم الكل (1) ، برهان ذلك: انه تبليغ عن سول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال:"… فليبلغ الشاهد الغائب" (2) . وقال"بلغوا عني ولو آية" (3) . وقد أوجب الله على رسوله التبيلغ فقال: { يَا أَيَّهَا الرَّسُوْلُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه } (المائدة:67) فهو بلغ للعرب بلسانهم { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رِسُوْلٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } (إبراهيم:5) ويجب على العرب أن ينوبوا عنه، ويبلغوا لغيرهم من الأمم، فلذا قال لهم:"بلغوا عني ولو آية"ولا يمكن التبليغ لجميع الأمم إلا بالترجمة إلى لسانهم (4)
(1) فرض الكفاية هو: كل مهم يراد حصوله، ولا يقصد به عين من يتولاه. انظر:"البحر المحيط"للإمام الزركشي (1/242) .
(2) متفق عليه.
(3) الحديث أخرجه الإمام البخاري في"كتاب الأنبياء"50 باب ما ذكر عن بني إسرائيل. والإمام الترمذي في"كتاب العلم"13 باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل.
(4) هذا مبني على قاعدة مقدمة الواجب وهي قاعدة كلية تختزل حقيقتها وتعبر عنها العبارة المشهورة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الشرح والتوضيح:
ما: اسم موصول واقع على خارج عن ماهية الواجب، ضرورة أن الجزء لا يتوهم فيه جدل إذ هو لا يغاير الكل وجودًا ولا وجوبًا، وعليه يكون المراد به: خوص الشرائط والأسباب.
لا يتم: بمعنى لا يوجد، فلا يشمل الحد ما يكمل الواجب كالسنن مثلًا.
الواجب: الأمر الذي ثبت وجوبه أصلًا.
إلا به: القصر هنا إضافي، أي بالإضافة إلى عدم ذلك الشيء لا مطلقًا، او بعبارة أخرى: فيما لا يوجد الواجب بدونه وإن توقف وجوده عليه. انظر:"البحر المحيط للإمام الزركشي (1/223-231) و"جمع الجوامع مع شرح المحلي بحاشية البناني" (1/192-197) ."