فهرس الكتاب
ثم قال ابن القيم: «… العقوبة من جنس العمل» .
«تهذيب سنن أبي داود» (9/244) .
(28) باب جزاء البخيل والمتصدق وأبواب أخرى
قال ابن القيم: «في «الصحيحين» (1) عن أبي هريرة قال: ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُبَّتَان من حديد ـ أو جُنَّتَان من حديد ـ ، قد اضطُرَّت أيديهما إلى ثِدِيِّهِمَا وتراقيهما، فجعل المتصدقُ كلما تصدق بصدقةٍ انْبَسَطَتْ عنه، حتى تُغَشِّيَ أنامِلَهُ، وتَعْفُوَ أَثَرَه، وجعل البخيلُ كلما هَمّ بصدقة قَلَصَتْ وأخذت كلُّ حَلْقَةٍ مكانها» . قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتسع.
ولما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البر والخير، كان جزاؤه من جنس عمله، فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العَطَن صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم والغم والحزن، لا يكاد تُقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب.
فهو كرجل عليه جُبّةٌ من حديد قد جُمِعَتْ يداه إلى عنقه، بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة لَزِمَتْ كُلُّ حلقة من حَلَقِها موضعها، وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدّق مَنَعَهُ بخلُه، فبقي قلبُه في سجنه كما هو.
والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبُه، وانفسح بها صدرُه، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح، وقَوِيَ فرحُه وعظم سروره، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقًا بالاستكثار منها والمبادرة إليها» ـ إلى أن قال:
(1) «صحيح البخاري» (3/305 و6/99 و9/437 و10/267- فتح) ، و «صحيح مسلم» (1021) .