فهرس الكتاب
؛ لأنه لما جعله في ظل الإنظار والصبر ونجاه من حر المطالبة وحرارة تكلف الأداء مع عسرته وعجزه نَجَّاهُ اللهُ تعالى من حَرّ الشمس يوم القيامة إلى ظِلّ العرش.
وكذلك الحديث الذي في «الترمذي» وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يومًا:
«يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تُؤْذوا المسلمين ولا تَتَّبعُوا عَوراتهم، فإنه من تَتَبَّعَ عورة أخيه يَتَّبعِ اللهُ عورتَه، ومن يَتَّبعِ اللهُ عورتَه يَفْضَحْهُ ولو في جوف بيته» (1) .
فكما تَدينُ تُدان، وكُنْ كيف شئتَ فإن الله تعالى لك كما تكون أنت له ولعباده.
ولما أظهر المنافقون الإسلام وأسرّوا الكفر أظهر اللهُ تعالى لهم يوم القيامة نورًا على الصراط، وأظهر لهم أنهم يجوزون الصراط، وأسَرّ لهم أن يُطْفِىء نورهم، وأن يحال بينهم وبين الصراط؛ من جنس أعمالهم.
وكذلك من يُظْهر للخلق خلاف ما يعلمه الله فيه فإن الله تعالى يُظْهِرُ له في الدنيا والآخرة أسباب الفلاح والنجاح والفوز، ويُبطنُ له خلافها.
وفي الحديث: «مَنْ راءى راءى اللهُ به، ومَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ به» (2) .
والمقصود أن الكريم المُتَصَدِّقَ يعطيه الله ما لا يعطي البخيل الممسك، ويُوَسِّعُ عليه في ذاته وخلقه ورزقه ونفسه وأسباب معيشته، جزاءً له من جنس عمله».
«الوابل الصيب» (ص40 ـ46) .
(29) باب جزاء الذي يغير طاعة الله بمعصيته
قال ابن القيم: «ومن عقوبات الذنوب أنها تُزِيلُ النِّعَمَ وتُحِلُّ النِّقَمَ، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حَلَّتْ به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلا بتوبة.
(1) أخرجه أبو داود (4880) ، والترمذي (2032) ، وغيرهما، وقال الألباني: «حسن صحيح» .
(2) أخرجه البخاري (11/336 و13/128ـ فتح) ، ومسلم (2987) ، وغيرهما، وليراجع لفظه في «صحيحيهما» .