فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 91

وقال ابن القيم: «أما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجَلْد مرة والقتل بالحجارة مرة، ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي، لما فيه من اختلاطِ الأنسابِ الذي يَبْطُل معه التعارفُ والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحَرْثِ والنَّسل، فشاكَلَ في معانيه أو في أكثرها القتلَ الذي فيه هلاك ذلك، فزُجِرَ عنه بالقصاص ليرْتَدِعَ عن مثل فعله مَنْ يَهُمُّ به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة.

ثم إن للزاني حالتين؛ إحداهما: أن يكون مُحْصَنًا قد تزوج، فعَلِمَ ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا، فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.

والثانية: أن يكون بكرًا لم يعلم ما علمه المُحْصَنُ ولا عمل ما عمله، فحصل له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف؛ فحقن دمه، وزُجِرَ بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجَلْدِ رَدْعًا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام، وبعثًا له على القنع بما رزقه الله من الحلال.

وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه».

ثم قال: «وقد حصلت جريمة الزنا بجميع أجزائه، فكان من العَدل أن تعمه العقوبة» .

«إعلام الموقعين» (2/107 ـ 108) .

وقال في موضع آخر: «واعلم أن الجزاء من جنس العمل، والقلب معلق بالحرام كلما هَمّ أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه، ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت