فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 91

ثم قال: «الرضى بالقضاء أشق شيء على النفس، بل هو ذبحها في الحقيقة، فإنه مخالفةُ هواها وطبعها وإرادتها، ولا تصير مطمئنةً قَطُّ حتى ترضى بالقضاء، فحينئذ تستحق أن يقال لها: +يأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي" [الفجر: 27 - 30] » ."

«مدارج السالكين» (2/211) .

(38) باب جزاء المتقين

قال ابن القيم في كلامه على قول الله تعالى: +إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ" [الطور: 17و18] :"

«ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة، وهم المتقون، فذكر مساكنهم وهم في الجنان، وحالهم في المساكن وهو النعيم، وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم: +فاكهين بما آتاهم ربهم"، والفاكه: المعجب بالشيء المسرور المغتبط به، وفعله: فَكِهَ ـ بالكسر ـ يَفْكَهُ فهو فَكِهٌ وفاكِهٌ: إذا كان طيب النفس، والفاكه البال، ومنه الفاكهة: وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس، وتفكهت بالشيء: إذا تمتعت به، ومنه الفاكهة التي يتمتع بها، ومنه قوله: +فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ" [الواقعة: 65] .

قيل: معناه تندمون، وهذا تفسير بلازم المعنى، وإنما الحقيقة: تزيلون عنكم التفكه، وإذا زال التفكه خلفه ضِدُّه، يقال: تحنّث: إذا زال الحنث عنه، وتحرّج وتحوّب وتأثّم، ومنه: تَفَكَّهَ، وهذا البناء يقال للداخل في الشيء: كتعلم وتحلم، وللخارج منه: كتحرج وتأثم.

والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين: نعيم القلب بالتفكه، ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح، +وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجَحِيمِ" [الدخان:56] ، فوقاهم مما يكرهون، وأعطاهم ما يحبون، جزاءً وفاقًا؛ لأنهم تركوا ما يكره وأَتَوْا بما يحب، فكان جزاؤهم مطابقًا لأعمالهم»."

«التبيان في أقسام القرآن» (ص169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت