فهرس الكتاب
وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سَمَّى اللهُ الكفر فتنة، فهم لمّا أَتَوْا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سَمّى جزاءهم فتنة، ولهذا قال: +ذوقوا فتنتكم"، وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها، ففُتِنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فُتِنوا بإرسال الرسل إليهم، ثم فُتِنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فُتِنوا بعذاب الدنيا، ثم فُتِنوا بعذاب الموت، ثم يفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حُشِروا إلى النار ووُقِفُوا عليها وعُرِضوا عليها، وذلك من أعظم فتنتهم، ثم الفتنة الكبرى التي أنْسَتْهم جميع الفتن قبلها."
ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى، وهو الجنات والعيون، وأنهم: آخذون ما آتاهم ربهم من الخير والكرامة.
وفي ذلك دليل على أمور: منها قبولهم له، ومنها رضاهم به، ومنها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق، ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم، فكما أَخذوا ما أمرهم به في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر، أَخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك».
«التبيان في أقسام القرآن» (ص179 ـ 180) .
(40) باب جزاء التوابين
قال شيخ الإسلام: «وما يذكر في الإسرائيليات: «إن الله قال لداود: أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود» ، فهذا لو عُرِفَتْ صحته لم يكن شرعًا لنا، وليس لنا أن نبني ديننا على هذا، فإن دين محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة جاء بما لم يجىء به شَرْعُ مَنْ قبله، ولهذا قال: «أنا نبي الرحمة، وأنا نبي التوبة» (1) ، وقد رُفِعَ به من الآصار والأغلال ما كان على من قبلنا.
وقد قال تعالى في كتابه: +إِنَّ ا÷ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ""
[البقرة: 222] .
(1) أخرجه مسلم (2355) وغيره، ولفظه: كان رسول الله × يُسَمّي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» .