فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 91

والذي يزيد هذا المعنى تقريرًا: أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإنه لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه، فإنه ألهمه حُبَّهُ وآثره به، فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبةً أعظم منها، فإنه مَنْ تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومَنْ تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومَنْ أتاه ماشيًا أتاه هرولة (1) .

وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له، وإذا تَعرضَ هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فَرَّ من مُحِبِّه وآثر غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل عليه وتخلى عن غيره فكيف لا يفرح به مُحِبُّهُ أعظمَ فرحٍ وأكملَه؟!

والشاهد أقوى شاهد، تؤيده الفطرة والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت الشرعة المنزلة إلى العقل المنور فذلك الذي لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

ومتى أراد العبدُ شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح والسرور واللذة التي تحصل له، والجزاء من جنس العمل، فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعْقَبَهُ فرحًا عظيمًا».

«طريق الهجرتين» (ص436 ـ 437) .

(تنبيه) : ثم قال ابن القيم: «وهاهنا دقيقة قَلَّ مَنْ يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأن، وهي أن كل تائب لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه من همّ أو غمّ أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تألمه بفراق محبوبه؛ فينضغط لذلك وينعصر قلبه ويضيق صدره، فأكثر الخلق رجعوا من التوبة، ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه العصرة، والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشدَّ كانت الفرحةُ واللذةُ أكمل وأتَمّ» .

«طريق الهجرتين» (ص437 ـ 438) .

(1) هذا المعنى مروي في «الصحيحين» وغيرهما، راجع ما تقدم (صفحة 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت