فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 91

«فذكر من مراتب القرب ثلاثة، ونبه بها على ما دونها وما فوقها، فذكر تقرب العبد إليه بالشبر وتقربه سبحانه إلى العبد ذراعًا، فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التقرب انتقل منه إلى تقرب الذراع، فيجد ذوق تقرب الرب إليه باعًا، فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني أسرع المشي حينئذ إلى ربه، فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولة، وههنا منتهى الحديث، منبهًا على أنه إذا هرول عبده إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه، فإما أن يكون قد أمسك عن ذلك لعظيم شاهد الجزاء، أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أُذُنٌ ولم يخطر على قلب بشر، أو إحالة له على المراتب المتقدمة، فكأنه قيل له: وقس على هذا، فعلى قدر ما تبذل منك متقربًا إلى ربك يَتقرب إليك بأكثر منه، وعلى هذا فلازم هذا التقرب المذكور في مراتبه؛ أي: مَنْ تَقَرَّبَ إلى حبيبه برُوحه وجميع قواه وإرادته وأقواله وأعماله تَقَرَّبَ الربُّ [سبحانه منه] بنفسه في مقابلة تَقَرُّبِ عبده إليه…» .

قال: «وهذا الموضع هو سر السلوك وحقيقة العبودية، وهو معنى الوصول الذي يدندن حوله القوم.

وملاك هذا الأمر هو قصد التقرب أولًا، ثم التقرب ثانيًا، ثم حال القرب ثالثًا، وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب.

وحقيقة هذا الانبعاث: أن تفنى بمراده عن هواك، وبما منه عن حظك، بل يصير ذلك هو مجموع حظك ومرادك، وقد عرفت أن مَنْ تقرب إلى حبيبه بشيء من الأشياء جوزي على ذلك بقرب هو أضعافه، وعرفت أن أعلى أنواع التقرب: تقرب العبد بجملته ـ بظاهره وباطنه وبوجوده ـ إلى حبيبه، فمن فعل ذلك فقد تقرب بكله، ولم تبق منه بقية لغير حبيبه، كما قيل:

لا كان مَنْ لسواك فيه بقيةٌ يجد السبيلَ بها إليه العُذَّلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت