فهرس الكتاب
وإذا كان المتقرب إليه بالأعمال يُعْطى أضعاف أضعاف ما تقرب به، فما الظن بمن أُعْطِيَ حال التقرب وذوقه ووجده؟ فما الظن بمن تقرب إليه برُوحه وجميع إرادته وهمته وأقواله وأعماله؟ وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه، فإنه أهل أن يُجاد عليه؛ بأن يكون ربه سبحانه هو حظه ونصيبه، عوضًا عن كل شيء، جزاءً وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل.
وشواهد هذا كثيرة.
منها: قوله تعالى: + وَمَن يَتَّقِ ا÷ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ا÷ فَهُوَ حَسْبُهُ" [الطلاق: 2 و3] ، فَفَرَّقَ بين الجزاءين كما ترى، وجعل جزاء المتوكِّل عليه كونه سبحانه حسبَه وكافيَه."
ومنها: أن الشهيد لما بذل حياته لله أعاضه الله سبحانه حياةً أكمل منها عنده في محل قربه وكرامته.
ومنها: أن مَنْ بَذَلَ لله شيئًا أعاضه الله خيرًا منه.
ومنها: قوله تعالى: +فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ""
[البقرة: 152] .
ومنها: قوله في الحديث القدسي:
«مَنْ ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومَنْ ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه» (1) .
ومنها: قوله: «من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا» الحديث (2) .
فالعبد لا يزال رابحًا على ربه بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة، بل حياة مَنْ ليس كذلك بالنسبة إلى حياته كحياة الجنين في بطن أُمه بالنسبة إلى حياة أهل الدنيا ولذتهم فيها، بل أعظم من ذلك».
«مدارج السالكين» (3/271 ـ 273) .
(45) باب مكمل لما تقدم
في جزاء التوكل على الله عز وجل
(1) متفق عليه .
(2) متفق عليه، وراجع (صفحة 36) .