فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 91

قال ابن القيم: «ومَنْ كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد، ومَنْ قَرَّتْ عينُه به في هذه الحياة الدنيا قَرَّتْ عينُه به يوم القيامة وعند الموت ويوم البعث، فيموت العبدُ على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه، فينعم به ظاهرًا وباطنًا، فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العين والنعيم وقوة القلب واستبشاره وحياته وانشراحه واغتباطه ما هو من أفضل النعيم وأجله وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس وفرح القلب وسروره وانشراحه واستبشاره هذا؟!

وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذ عينُه من سائر المشتهيات، وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوُّعه.

فمن تنوعت أعماله المَرْضِيَّة المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا، وكان مزيده بتنوعها والابتهاج بها والالتذاذ هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار.

وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرًا وجزاءً ولذة وألمًا يخصه لا يشبه أَثَرَ الآخر وجزاءه، ولهذا تنوعت لذات أهل الجنة وآلام أهل النار، وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات، فليست لَذَّةُ مَنْ ضَرَبَ في كل مرضاة لله بسهم وأخذ منها بنصيب كَلَذَّةِ من أنمى سهمه ونصيبه في نوعٍ واحد منها، ولا ألمُ مَنْ ضرب في كل مَسْخُوطٍ لله بنصيب وعقوبته كألم مَنْ ضرب بسهمٍ واحدٍ في مساخطه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت