فهرس الكتاب
، فإنه كما خرج العاصي عن حدود الله عز وجل طالبًا للسعة والحرية (بزعمه) والفرح والسرور (برأيه) ، ناشدًا للشهوة المشؤومة، واللذة الموهومة، فإنه يعاقب مقابل ما تناول من لذة الحرام بهم القلب وحزنه ، ومقابل ما أراد من السعة بسجن القلب وضيقه ووحشته.
ومع أن هذه العقوبة أوضح من ضياء النهار وأظهر من شمس الظهيرة إلا أنّ مَنْ لا يبصرها قد ينكرها، لأن مَنْ لا يرى العقوبات الظاهرة يظنّ بجهله انعدام العقوبات الباطنة!
وتشتد هذه العقوبة على صاحبها بحسب ما توسع فيه من المعاصي وتناول منه من اللذات المحرمة، حتى يصل ضيق الصدر به إلى حالٍ لا تُحْتَمَل، فلا يجد له مُتنفسًا، كأنما يصّعّد في السماء أو يتنفس تحت الماء.
ومِثل هذا لو خُيِّر بين ما هو فيه وبين السجن الحقيقي وراء القضبان وذهاب ألمه لاختار السجن، لذلك ترى مَنْ اشتد به الحال ولم يجد مخرجًا ولا فرجًا يلجأ إلى الانتحار طلبًا لمتنفس بالموت، وغالبًا لا يصدر هذا إلا ممن انعدم إيمانه وزال إيقانه أو ممن يأس من رحمة الله تعالى ورَوْحه، فلذلك لا تكاد تسمع به إلا في أمريكا ودول أوروبا الكافرة وما هو على شاكلتها.
فإن قال قائل: إنه ليذنب ويذنب ولا يعاقب؟!
قيل: لو صدقناك ـ وحاشا ـ وفرضنا أنك لا تعاقب ولا حتى باطنًا (كما ذكرنا من الهموم والوحشة...) فاعلم أنك في الحقيقة تعاقب ولا تشعر، فإن مَنْ عَمِيَتْ بصيرته بغشاوة الغفلة، وحجب عقله بسكر الشهوة، إذا ما استيقظ من غفلته وصار بصره حديدًا، وانفك من غول سكرته وصار عقله رشيدًا؛ عَرَفَ حقيقة ما هو فيه، ورأى بأم عينه أنه كان يعاقب وهو لا يدري، ولكن:
ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
كالسكران إذا طار السكرُ من رأسه شعر بألم السياط، والمُبَنَّجِ إذا رجع إليه حِسُّه شعر بوجع الجراح.
ثم إذا صار هذا المعاقب في عالم البرزخ ضُيِّقَ عليه أكثر وأكثر؛ ظاهرًا وباطنًا، واشتدت العقوبة عليه وبلغت الحَدَّ، فلينكرها هناك إن استطاع!