الصفحة 123 من 729

وقال الرازي:"المراد فضلتكم على عالمي زمانكم ؛ لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك ، وهو الآن ليس بموجود ، لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه ؛ لأن شرط العالم أن يكون موجودًا" [1] .

الوجه الثاني: أن قوله تعالى: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } عام في العالمين ، لكنه مطلقٌ في الفضل ، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة ، فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمرٍ ما ـ وهو ما أعطوا من الملك والرسل والكتب ـ وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور ، بل وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمرٍ واحد ، فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر.

وهذا الوجه ذكره الرازي في تفسيره [2] .

التوجيه والترجيح:

تفضيل الأمة المحمدية على سائر الأمم ثابت بالكتاب والسنة كما تقدم .

وما اتفق عليه مفسرو السلف من الصحابة والتابعين من أن المراد بالعالمين في قوله تعالى: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } عالمو زمانهم ، يزيل ما قد يتوهم من التعارض بين هذه الآية ونظائرها ، وبين الآيات والأحاديث التي تفيد تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم ، وهذا هو الوجه الأول من أوجه الجمع .

قال ابن جرير:"قوله: { وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } [ المائدة: 20 ] خطاب من موسى - صلى الله عليه وسلم - لقومه يومئذٍ ، وعنى بذلك عالمي زمانه ، لا عالمي كل زمان ، ولم يكن أُوتي في ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أوتي قومه - صلى الله عليه وسلم - أحد من العالمين ، فخرج الكلام منه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، لا على جميع عالم كل زمان" [3] .

(1) التفسير الكبير1/493.

(2) انظر: التفسيرالكبير1/493، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي /376، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي 1/82 ، البحر المحيط لأبي حيان1/277.

(3) جامع البيان 8/284.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت