الصفحة 163 من 729

وابن عاشور [1] ، وابن عثيمين [2] .

فعلى هذا التقدير لا يوجد تعارض بين هذه الآيات وحديث ابن عباس رضي الله عنهما ، بل الآيات متفقة مع حديث ابن عباس رضي الله عنهما في أن المحرم من الميتة هو أكلها ، دون الانتفاع بها [3] .

(1) انظر: التحرير و التنوير 2/116.

وابن عاشور هو: محمد الطاهر بن عاشور ، رئيس المفتين المالكيين في تونس ، مفسر ، لغوي ، نحوي ، أديب ، له أبحاث وتحقيقات علمية منشورة ، وله في التفسير التحرير والتنوير ، توفي سنة (1393هـ ) .

انظر: معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 3/363 ، معجم المفسرين لعادل نويهض 2/ 541.

(2) انظر: تفسير القرآن الكريم 2/250 ، 254، وذكره الرازي في التفسير الكبير 2/194، والبيضاوي في أنوار التنزيل1/159.

(3) لكن على هذا التقدير في الآيات يوجد إيهام تعارض بينها وبين حديثين آخرين ، هما:

1-حديث جابر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة:"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ، فقال:"لا هو حرام"ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك:"قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" ( أخرجه البخاري في البيوع ، رقم(2236) 3/84 ، ومسلم في المساقاة ، رقم (1581) 3/1207).

فالآيات على هذا التقدير تدل على أن المحرم هو أكل الميتة فقط ، فيفهم من ذلك إباحة بيع الميتة والانتفاع بثمنها وغير ذلك ، والحديث يدل على أنه يحرم بيع الميتة.

والتوفيق بينهما فيما يظهر لي أن يقال: إن مفهوم الآيات على هذا التقدير عام في إباحة الانتفاع بالميتة فيما عدا الأكل ، وحديث جابر - رضي الله عنه - مخصص لذلك العموم بتحريم بيع الميتة وأكل ثمنها ، ولا تعارض بين عام وخاص بل يحمل العام على الخاص .

ويمكن أن يقال: إن دلالة الآيات على إباحة بيع الميتة دلالة مفهوم ، ودلالة الحديث على تحريم بيع الميتة دلالة منطوق ، والمنطوق مقدم على المفهوم ، كما في الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4/254، والله تعالى أعلم.=

=2- حديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن بأرض جهينة ، وأنا غلام شاب أن"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". (أخرجه أحمد في المسند رقم(18780) 31/74، وأبو داود رقم (4127) 4/67، والترمذي رقم (1729) 4/222، وحسنه ، والنسائي رقم (4250) 7/175، وابن ماجه رقم (3613) 2/1194.

والحديث قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في العلل 1/52:"لم يسمع عبد الله بن عكيم من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو كتابه"، وقال عنه الترمذي بعد أن حسنه في 4/222:"وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم ... وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين ، وكان يقول كان هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده"، كما حسن الحديث الحازمي في الاعتبار ص 176، ونقل في ص 178 عن الخلال قوله:"توقف أحمد في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه"، ثم قال:"الحديث كثير الاضطراب".

وقد لخص الحافظ ابن حجر في التلخيص 1/48 ما أعل به هذا الحديث فقال:"ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال ، وهو أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم ، والاضطراب في سنده ، فإنه تارة قال عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وتارة عن مشيخة من جهينة ، وتارة عن من قرأ الكتاب ، والاضطراب في المتن ، فرواه الأكثر بدون تقييد ، ومنهم من رواه بقيد شهر ، أو شهرين ، أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام". وانظر قريبًا من كلام ابن حجر في الخلاصة للنووي 1/75-76، نصب الراية للزيلعي 1/120-121.

وصحح الألباني في إرواء الغليل1/78 إسناد الحديث وقال:"وهذا إسناد صحيح موصول عندي". ).

فالآيات على هذا التقدير تدل على أن المحرم هو أكل الميتة فقط ، فيفهم من ذلك إباحة الانتفاع بالميتة ، أو بشيء من أجزائها كالجلد ، والحديث فيه النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة.

والتوفيق بينهما فيما يظهر لي أن يقال: إن الآيات تدل بمفهومها على إباحة الانتفاع بالميتة ، ويدخل في ذلك الانتفاع بجلدها ، بشرط الدبغ ، كما دلت على ذلك السنة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ( أخرجه مسلم رقم(366) 1/277)، ويحمل حديث ابن عكيم ـ على القول بصحته ـ على النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة قبل الدبغ ، ويؤيد ذلك ما تقدم في حديثي ابن عباس - رضي الله عنه - ، كما يؤيده القول بأن الإهاب في اللغة لا يطلق على الجلد بعد الدبغ ، كما نقله أبو دواد في سننه4/ 67عن النضر بن شميل.

( راجع في ذلك ما يلي: ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص 257-259، معالم السنن للخطابي 4/188، التمهيد لابن عبد البر 4/165، الاعتبار في ناسخ الحديث ومنسوخه للحازمي ص178، بداية المجتهد لابن رشد( الهداية في تخريج أحاديث البداية 2/189) ، الصحاح للجوهري ، مادة ( أهب ) ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة ( أهب ) لسان العرب لابن منظور مادة ( أهب ) ، فتاوى ابن تيمية 21/102، فتح الباري لابن حجر 9/659، حاشية السيوطي على سنن النسائي [ السنن 7/175] ).

وقد جعلت دفع موهم التعارض بين هذه الآيات وهذين الحديثين في الهامش ؛ لأني لم أجد من أشار إلى التعارض بينهما ولو إشارة ، فضلًا عن التصريح بذلك ، أو محاولة دفع ما قد يتوهم من التعارض بينهما ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت