فهرس الكتاب
وقد رد هذا التقدير غير واحد من أهل العلم ، فقد قال الخطابي:"قلت:"لا يقتل مؤمن بكافر"كلام تام مستقل بنفعه ، فلا وجه لتضمينه بما بعده ، وإبطال حكم ظاهره ، وحمله على التقديم والتأخير ، وإنما يُفعل ذلك عند الحاجة والضرورة في تكميل ناقص ، وكشف عن مبهم ، ولا ضرورة بنا في هذا الموضع إلى شيء من ذلك ، فأما تحديده ذكر المعاهد ، وأنه لا يقتل ما دام مقيمًا على عهده ، فإن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكرر البيان ، وأن يظاهر بذكر الشيء مرة بعد أخرى ؛ إشباعًا في البيان ؛ وإفهامًا للمخاطبين بالكلام ."
وقد يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لماّ أسقط القصاص عن المسلم إذا قتل كافرًا ، احتاج إلى أن يؤكد حق دم المعاهد ، فيجدد القول فيه ؛ لأن ظاهر ذلك يوجب توهين حرمة دم الكفار ، ولا يؤمن أن يكون في ذلك الإغراء بهم ، فخشي إقدام المتسرع من المسلمين إلى دمائهم إذا أمن القود ، فأعاد القول في حظر دمائهم ؛ رفعًا للشبهة ؛ وقطعًا لتأويل متأول ، والله أعلم" [1] ."
وقال ابن حجر:"وتعقب بأن الأصل عدم التقدير ، والكلام مستقيم بغيره ، إذا جعلنا الجملة مستأنفة ، ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح ـ أي طريق أبي جحيفة ـ على الجملة الأولى ، ولو سُلّم أنها للعطف ، فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه ، وهو كقول القائل: مررت بزيد منطلقًا وعمرو ، فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقًا أيضًا ، بل المشاركة في أصل المرور" [2] .
وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين القرآن والسنة في هذه المسألة ، والله تعالى أعلم.
(1) معالم السنن 4/16. وانظر: المحلى لابن حزم 10/355 ، عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق أبادي 12/262.
(2) فتح الباري 12/261.