فهرس الكتاب
وإذا تمهد هذا ـ أي أن الذكر يقتل بالأنثى ـ فإنه يندفع إيهام تعارض هذه الآية مع حديث أنس - رضي الله عنه - ، إذا عرف أن الاستدلال بقوله تعالى: { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } على أن الذكر لا يقتل بالأنثى من قبيل الاستدلال بمفهوم المخالفة ، دون قيد أو شرط ، وهذا لا يصح ؛ لأن من يستدلون بمفهوم المخالفة ويعتبرونه طريقًا للدلالة على الأحكام ـ وهم جمهور العلماء ـ يشترطون له شروطًا منها:
1ـ أن لا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا ـ هو ضد حكم المنطوق ـ دليلٌ خاص يدل على حكمه ، فإن وجد هذا الدليل الخاص فهو طريق الحكم ، لا مفهوم المخالفة.
وفي هذه المسألة وجد الدليل الخاص الذي يدل على أن الذكر يقتل بالأنثى ، وهو ما تقدم في حديث أنس - رضي الله عنه - .
2ـ أن لا يكون للقيد الذي قيد به النص ، فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت.
والقيد الذي قيد به النص في قوله تعالى: وَالْأُنْثَى { بِالْأُنْثَى } له فائدة غير إثبات الحكم للمسكوت عنه ، فالمقابلة في الآية إنما جاءت لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية ، فإنهم يقتلون غير القاتل ، فيقتلون الحر بدلًا من العبد ، والرجل بدلًا من المرأة ، وبخاصة إذا كان المقتول من قبيلة أعلى مكانة من قبيلة القاتل ،كما يدل عليه سبب نزول هذه الآية [1] ، كما تقدم في المسألة السابقة.
وما دام أن الأمر كذلك فمفهوم الآية غير معتبر [2] ، وليس فيها دلالة على أن الذكر لا يقتل بالأنثى ، ولذا لا يكون هناك تعارض بين الآية والحديث من الأصل.
(1) انظر: أحكام القرآن للشافعي 1/270-272، جامع البيان لابن جرير 3/95، 101، التفسير الكبير للرازي 2/224، مجموع فتاوى ابن تيمية 14/81.
(2) انظر: نيل الأوطار للشوكاني 7/161، أضواء البيان للشنقيطي 2/56.