فهرس الكتاب
وإذا تمهد هذا فقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } [ البقرة: 191] وبين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن خطل عام الفتح في المسجد الحرام ، مسلك الجمع ، وذكروا في الجمع بينهما وجهين هما:
الوجه الأول: أن الآية محكمة ، وتدل على تحريم القتال في الحرم ابتداءً ، أما إذا بدأ المشركون أو غيرهم من الأعداء بالعدوان فيباح لنا قتالهم فيه ؛ عملًا بالآية الكريمة ، ويحمل قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن خطل في الحرم عام الفتح على أنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد وقع في الساعة التي أباح الله له القتال فيها ، فقد أحل الله له القتال في الحرم ساعة من نهار ثم حرمه إلى يوم القيامة ، كما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح:"فإن هذا بلد حرمه الله ، يوم خلق السماوات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ..." [1] .
ومما يدل على الخصوصية ما رواه أبو شريح [2]
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد ، باب لا يحل القتال بمكة ، رقم (1834) 3/14، ومسلم في الحج ، رقم (1353) 2/986.
(2) أبو شريح: اختلف في اسمه ، والأشهر أنه خويلد بن عمرو بن صخر الخزاعي الكعبي ، صحابي أسلم قبل فتح مكة ، وحمل أحد ألوية بني كعب يوم الفتح ، توفي - رضي الله عنه - سنة (68هـ) .
انظر: أسد الغابة لابن الأثير6/175، الإصابة لابن حجر 7/173.