فهرس الكتاب
ثالثًا: مسلك الترجيح:
وذلك بتقديم منطوق حديث القضاء بالشاهد واليمين على مفهوم قوله تعالى:
{ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ دن!#y‰pk'9$#... } [ البقرة:282] .
وإلى هذا ذهب الشوكاني وقال:"ونحن قدمنا على ذلك المفهوم ـ أي مفهوم الآية ـ منطوق أحاديث الباب" [1] .
التوجيه والترجيح:
يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع ؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها ؛ ولكون مذهب النسخ بعيدًا جدًا كما سيأتي بيانه.
والجمع الذي يظهر رجحانه ـ والله أعلم ـ هو ما تقدم ذكره في الوجه الأول من أوجه الجمع ؛ وهو: أن الآية بينت بعض الطرق التي تحفظ بها الحقوق ، وهي الشاهدان والشاهد والمرأتان ، والحديث جاء بذكر طريق من طرق الحكم عند الاختلاف والتنازع ، وطرق الحكم أوسع من طرق حفظ الحقوق ، فالآية في موضوع ، والحديث في موضوع آخر .
ويؤيد ذلك قوله في الحديث: ( قضى ) فإن لفظ القضاء يشعر بأن الشاهد واليمين مما يحكم به الحاكم عند الاختلاف والتخاصم ؛ لأن القضاء في اللغة الحكم ،كما قال ابن فارس:"القضاء الحكم ، قال الله سبحانه في ذكر من قال: { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } [ طه: 72] ؛ أي اصنع واحكم ، ولذلك سمي القاضي قاضيًا ؛ لأنه يحكم الأحكام وينفذها" [2] .
وقال ابن منظور [3] :
(1) نيل الأوطار 9/195.
(2) مقاييس اللغة ، مادة ( قضى ) .
(3) ابن منظور هو: جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي ابن منظور الأفريقي المصري ، ولي القضاء ، وكان عارفًا بالنحو واللغة والتاريخ ، له لسان العرب ومختصر الأغاني ، توفي سنة (711هـ) .
انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي 1/248، شذرات الذهب لابن العماد 3/26.