فهرس الكتاب
فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفًا لكتاب الله ، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه ، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة للقرآن ، فالحكم بالشاهد واليمين أولى أن لا يكون مخالفًا للقرآن ، فطرق الحكم شيء ، وطرق حفظ الحقوق شيء آخر ، وليس بينهما تلازم ، فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم ، مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه ، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه ، ولا خطر على باله من نكول ، ورد يمين ، وغير ذلك ، والقضاء واليمين مما أراه الله تعالى لنبيه ، فإنه سبحانه قال: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } [ النساء: 105] ، وقد حكم بالشاهد واليمين ، وهو مما أراه الله إياه قطعًا" [1] ."
وبهذا تجتمع أدلة الكتاب والسنة.
وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع ؛ وهو أن الحديث حكاية قضية وقعت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا عموم لها ، فهذا غير صحيح ، بل الحديث عبارة عن تقعيد هذه القاعدة فكأنه قال: أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم باليمين مع الشاهد [2] ، ومما يشهد لهذا ما جاء عن عمرو ابن دينار [3] راوي الحديث عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: إن الحكم بالشاهد واليمين يكون في الحقوق والأموال [4] .
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص116.
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/394.
(3) عمرو بن دينار هو: المكي الجمحي مولاهم ، أبو محمد الأثرم ، ثقة ثبت ، أخرج له الجماعة ، توفي سنة (120هـ) . انظر: الكاشف للذهبي 2/75، تقريب التهذيب لابن حجر ص421.
(4) أخرجه أحمد في مسنده رقم (2968) 5/120، وأبوداود في الأقضية ، باب القضاء باليمين والشاهد ، رقم (3609) 3/308، من طريق عبد الله بن الحارث عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - رضي الله عنه - .
وجود هذا الإسناد النسائي في الكبرى رقم (6011) 3/490 ، وقال:"هذا إسناد جيد ، وسيف ثقة ، وقيس ثقة".