الصفحة 374 من 729

وكان - صلى الله عليه وسلم - رؤوفًا رحيمًا بالمؤمنين ، ويدل لذلك قوله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128] ، ولم يكن فظًا غليظًا في معاملته لهم ، بل كان سهلًا لينًا ، كما قال سبحانه: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [آل عمران:159] ، وكان - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كله ممتثلًا أمر الله تعالى له بذلك ، في قوله: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء: 215] .

أما في جانب الكفار ، فقد أمره الله تعالى بالغلظة معهم فقال: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ التوبة: 73] .

وإذا تمهد هذا فقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى:

{ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } وبين ما جاء في الحديث المتقدم من قول النسوة اللاتي قلن لعمر - رضي الله عنه -:"أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، مسلك الجمع ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

الوجه الأول: أن الآية الكريمة تنفي وجود الفظاظة والغلظة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كصفة لازمة ، أما وجودها في بعض الأحوال ، كمع الكفار أو عند انتهاك حرمات الله مثلًا ، فغير منفي ، وهو المقصود من الفظاظة والغلظة المستفادة من أفعل التفضيل المذكور في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت